|||||||||||||| يفتح الستار |||||||||||||||
*** موسيقى حزينة كئيبة ***
سحابة من الدخان تملأ المكان ثم تنقشع رويدا رويدا.
بقعة من الضوء تسلط على حرمان فقط بينما بقية الخشبة مظلمة.
(يدخل حرمان العبد مرتديا أسمالا قذرة ويمشي الهوينا على الخشبة, الحزن يملأ وجهه مقيدا لاسلاسل والأغلال.يتقدم إلى منتصف الخشبة.)
حرمان: نحن في هذه الحياة الملعونة نحتكم إلى أهواءنا. نتمرد على كل ما لا تصدقه عقولنا.من ذا الذي يريد العيش وحياته ليست له؟قمة الغباء أن نرى أنفسنا في غيرنا عندما لا يريد غيرنا أن يكون فينا.
( يتقدم أكثر باتجاه الجمهور رافعا يديه إلى الأعلى)
حرمان: أيتها السماء, أيتها الرياح و أنت أيها البحر من فيكم يحكم الحياة؟ من فيكم ينصب نفسه إلها على ما تحت حكمه وسيطرته؟أنتي أيتها السماء يا من أسفلك كل شيء هل تكبرتي يوما فأصبحتي الآلهة الذي يحكم بين كل ما تطوله يداك ِ؟
( يميل جانبا )
حرمان : لا.
** الموسيقى ما تزال مستمرة **
حرمان: أيتها الرياح العظيمة التي تسوقين المطر والغيم إلى كل مكان.هل تكبرت ِ يوما فأصبحت ِ الآلهة التي تحكم كل ما تطوله يداك ِ.
( يميل جانبا )
حرمان: لا.
حرمان: أيها البحر العظيم المترامي الأطراف يا من تحيا في بطنك الأسماك والأعشاب هل تكبرت ِ يوما فأصبحت ِ الآلهة التي تحكم كل ما فيك ؟
( يميل جانبا )
حرمان: لا.
حرمان: إذن لماذا تبتغي الشمس أن تطغى بأشعتها البيضاء على الكون حتى تحرق كل شيء؟ أليس لكل جبروة أفول؟ ولكل شيء ٍ أوانه؟ الشمس تشرق ثم تأوي إلى فراشها ليستيقظ القمر بضوئه الأسود ويظل ساهرا يرقب. كلاهما في رحلة خلود واحدة لا تتغير ولا تتبدل منذ قديم العهد. إذن لماذا يبغي أولادها السيادة في كل شيء؟ هل يحق لهم أن يكونوا كل شيء و أبناء القمر محرومون من حقوقهم؟
( يجثو على ركبتيه ويتكور حول نفسه كم يعاني ألما رهيبا )
حرمان: لماذا ؟ لماذا ؟
( موسيقى ملحمية تتصاعد بايقاع كريشندو رويدا رويدا )
( يقف بعد فترة قصيرة فجأة , ثم يسقط, يستلقي على الأرض قليلا يلهث بقوة, ثم يقف فجأة)
حرمان: هاهم يريدون أن يعرفوا بداية القصة أو بداية النهاية. سأحكيها, أجل سأحكيها لهم وليموتوا بغيظهم. فحين تبغي الرياح أن تثير البحر وتعلو به ليعانق السماء العظيمة لن يردعها أحد, لن يردعها أحد
( يكرر الجملة الأخيرة وهو في طريقه لمغادرة الخشبة )
** تخبو الموسيقى شيئا فشيئا **
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||| يسدل الستار |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
** موسيقى middle age فيها ملامح من الفرح والغبطة **
أصوات وغوغاء ناس في وسط السوق
||||||||||| يفتح الستار ||||||||||||
( الجميع منشغلون في السوق. أختلط الحابل بالنابل والأبيض بالأسود والكل في هرج ٍ ومرج وأخذ وعطاء. على يمين الخشبة واحد ٌ من أبناء الشمس ألتم عليه ثلاثة من ابناء الخسوف يتبادلون معه البضائع. نظام المقايضة هو السائد هنا فلا بيع ولا شراء. أعطني ما عندك وأعطيك ما عندي.في الزاوية اليسرى صبي ٌ من أبناء الخسوف يعرض سلعته من الخضروات والفواكه والتف حوله مجموعة مختلطة من أبناء الشمس والخسوف أيضا يساومونه بما لديهم من غذاء. بين جنبات المكان الزبائن تتجول بسعادة تبحث عن ما تحتاجه لقوت يومها أو مخزون شتاءها.الجو تملؤه الألفة والغبطة والمجادلة والاحترام والتعاطف هما سيدا التعامل. في منتصف الخشبة تجمع رجل ٌ من ابناء الشمس في منتصف العمر تبدو عليه علامات القوة والشكيمة وقوة الشخصية بجسده الضخم القوي وهذا هو قدار إلى جانبه رجل ٌ شديد السمنة أحمر الوجه منتفخ الجوانب يدعى برازاي وهو المسئول عن المئونة والغذاء في السوق. اندمج الأثنان في حديث ما).
(تدخل عجوز من ابناء الخسوف الى السوق بشعرها الذي بدا الشيب يغزوه بسرعه. تتوجه نحو قدار وبرازاي وتلقي عليهما التحية ).
قدار(ماطا شفتيه بسخرية): أهلا بجيكارا الداهية. مالذي جر قدميك الصغيرتين الى السوق اليوم ؟
(برازاي يوسع لها مكانا لتجلس فيه)
جيكارا ضاحكة: ايها المتباهي بقوتك في زمن مشيبي, لا تظن أنك الوحيد القادر على التجوال هنا وهناك.
قدار: مازلتي سليطة اللسان داهية المقصد كعادتك دائما.
جيكارا ( تلتفت حولها ترقب السوق): يبدو أن السوق في حركة نشطة.
برازاي موافقا: أجل فمدينتنا غندقار من اشهر المدن وانشطها في مجال التجارة والبضائع, لا ينفك ميناء المدينة من استقبال سفن المئونة والصيد كل يوم.
جيكارا: وما هو حال المئونة هذا العام يا برازاي؟
(برازاي يربت على كرشه الضخم علامة الثقة)
برازاي: الأمور كلها تسير في منحى جيد , افلا ترين هذه الكرش الضخمة؟ أنها علامة من علامات الرخاء والاستقرار.
( قدار وجيكارا يضحكان )
جيكارا: أسمعتم بنبأ المولود الجديد في بيت مقديشيا؟ يحكى أنه ذو هيئة غريبة لم يرى أحدٌ مثلها من قبل قط !
قدار باستغراب: وكيف هذا ؟
جيكارا: لونه يجمع بين لون الشمس ولون خسوف القمر .نصفه ابيض ٌ ونصفه الأخر أسود.
برازاي متعجبا: ماهذا العجب العجاب ! ما سبق وأن شهدت مثل هذه المعجزة تحصل.
قدار : لن اصدقك ايتها العجوز حتى تقع عيني عليه وأحكم بناظري على ما تراه عيناي هاتين.
جيكارا: نجوم السماء أقرب اليك من رؤيته. مقديشيا حرمت على أحد رؤية هذا الطفل حتى يشب عن الطوق ويبلغ أشده وحبسته في منزله.لقد قطعت عهدا على نفسها أن لا يراه أحد حتى يكبر قليلا. وذلك وفاء لزوجها الراحل المحارب العظيم جُزيد.
برازاي: العجب العجاب فعلا ! اذا لاحظ لك في رؤيته يا قدار.
قدار(يمط شفتيه بلا مبالاة): لا بأس في ذلك طالما أنها رغبة أمه المجنونة فيه. ولست أكترث بعد الأن.
برازاي: وهل وقعت عيناكي عليه يا جيكارا ؟
جيكارا بغرور: أجل, فأنا من قام بتوليد مقديشيا, ولكم أصابني بحر ٌ من العجب حين رأيت حالته تلك.
برازاي: قدار أنت ايضا رزقت بمولودة قبل يومين فقط .ان الناس تتحدث عن جمالها وبهاءها الوضاء.
قدار بتفاخر: أجل أجل, ابنتي العزيزة الوحيدة ولقد أسميتها شميليا .
جيكارا : لقد سمعت من الولادة أنها اشد بياضا من نور الشمس, يكاد نور وجهها يستبيح نور النهار فيقتله رغما عن أنفه.
قدار: ليس كمثلها مثيل في غندقار ابدا. ستكون أميرة الأميرات.أميرة الشمس والضياء.
جيكارا(تضحك): أميرة الشمس ! ماهذا ؟ لقد بدأ عقلك الخرف يجول في مراعي خيالاتك الخصبة فلا يبقي منها شيئا.
قدار(بغضب): ايتها العجوز افلا يحق لي أن أتفاخر بابنتي شميليا ؟
برازاي(مهدئا): بل يحق لك أكثر من ماهو ذلك ياقدار. لعمري يحق لك حتى تأكل الشمس لونها لتستبدله بلون شميليا الغالية.
قدار: اجل أجل هو كذلك يا برازاي .
جيكارا: كلنا أبناء الأرض وان اختلفت ألواننا وأصواتنا .ليبارك الرب في غندقار وشعبها المسالم الطيب.
قدار: ومالأسم الذي أطلقته مقديشيا على أبنها العجيب هذا ؟
جيكارا: يبدو أنها لا ترغب حتى في تسميته حفاظا عليه. هي مجنونة فيه حتى الموت وتخشى عليه من العين الثاقبة والنظرة الصائبة التي تقتل الحوت في عرض البحر وتذيب الثلوج من على الصخر.
برازاي: ايعقل أن يظل بلا أسم ؟
جيكارا( تمط شفتيها بلا مبالاة): هذا شأنها وهي أدرى به.
برازاي: عجبا , لم أرى في حياتي عشق أم لابنها يصل إلى حد الخوف عليه من بقية الناس ولاتطلق عليه اسما يميزه عن غيره.
قدار(مفكرا): يبدو أن هذه الأم حكيمة فعلا. أتعلمون شيئا ؟ لقد أخذتني مكامن الغيرة في نفسي من فعلها هذا. ولسوف افعل ما فعلته في شأن طفلها هذا.
برازاي: ماذا !
قدار ( يهب واقفا): أجل , من الآن وصاعدا لن يرى أحد ٌ ابنتي شميليا سوى الخاصة والمقربون فقط, الى أن تكبر وتبلغ أشدها وأوج الشباب وفتنته.
جيكارا(باعتراض): هذا هو التمييز بعينه. ما بك يا رجل ؟ هل اصابتك لعنة مقديشيا أيضا؟ فان كانت تفعل ما تفعله فلقد حق لها بعد موت زوجها في عهد ٍ قطعته على نفسها دامت حية, ولكن أنت زوجك سليمة ٌ معافاة.
قدار: ابدآ , ليس تميزا بل حق ٌ من حقوقي لا يحق لأحد ٍ أن يأخذه مني . لن ترى أو تقابل شميليا أحدا بعد الآن. أمها وأباها فقط والخاصة الخاصة المقربون إليها.
جيكارا: عليك اللعنة أيها المغرور , بهذا أنت ترفعها إلى مقام الآلهة.
قدار : ليس هذا بشأنك يا امرأة.
جيكارا: ليس هذا من العرف والدين في شيء.
برازاي: فلنسال القديس عطقار فهو أعلم في حكم هذه القضية ممن سواه.
قدار: لست ابتغي حكما من قديس ما ليحكم في حق ٍ من حقوقي يا برازاي. وفر نصائحك لكرشك هذا فهو أحوج إلى نصيحة تحد من أطماعه الاستعمارية في التوسع.
جيكارا(تزم شفتيها بلا مبالاة): هذا شأنك يا قدار.
( فجأة يدخل إلى السوق رجل غريب أحدب مهيب الطلعة تسربل بعباءة سوداء طويلة . يخفي معالم وجهه بغطاء على رأسه بينما يبرز من فوقه قرنان عظيمان . اخذ مشي الهوينا في السوق دون أن يلتفت إلى أحد من الناس).
جيكارا( ترمق الغريب): من هذا الرجل الغريب الشكل !
(قدار و برازاي يرقبانه أيضا)
برازاي: ياللعجب أهذا انس ٌ أم وحش ٌ من الوحوش؟ ما هذه الحدبة التي تعلو ظهره؟ وذينك القرنين العظيمين !
قدار: تبدو عليه القوة والغموض, يا ترى من هو هذا الغريب الذي حل على مدينتنا فجأة ؟
جيكارا: ليس من عادتنا التدخل فيما لا يعنينا أيها الفضوليان. دعا الرجل في حال سبيله, ربما له حاجة ٌ يقضيها ثم ينصرف.دعونا نذهب الى عطقار ونسأله في حكم ما ينتوي قدار فعله في ابنته شميليا عله يعطينا من علمه الشيء المفيد.
( يغادر الثلاثة السوق بينما يتجول الرجل الغريب في السوق قليلا وأعين الناس ترقبه في وجل من هيئته المخيفة ثم يغادر بصمت . يعود الناس إلى أشغالهم ).
|||||||||||||||||||||||||||||||||||| يسدل الستار |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||

||||||||||يفتح الستار||||||||||
(خشبة المسرح مغطاة برمال البحر عن أخرها )
مشهد في الميناء على البحر والبحارة يؤدون رقصة درامية ملحمية على إيقاع موسيقى ملحمية.الموسيقى والرقصة ترمز إلى شكر الرب على نعمة البحر وتبيان التكاتف في أوقات الأعاصير والرحلات البحرية. كل الرقصة تتم في إيقاع مدروس ومنظم يتعاون فيها الجميع.يتعاون أبناء الشمس و أبناء الخسوف في الصيد واستخراج خيرات البحر لا يفرقهم شيء.
( تنتهي الرقصة )..
يعود الراقصون إلى مزاولة أعمالهم الاعتيادية في الميناء.اقطاي مسؤول توزيع المياه في المدينة يجلس بهدوء يحادث واحدا من ابناء الخسوف يدعى سفقاط وهو زئيس الميناء البحري للمدينة , قوي الشكيمة مفتول العضلات بشكل لافت.
اقطاي : مازالت الرياح في جانبنا يا سفقاط. ان هذا لمن طالع الحظ الحسن لا شك.
سفقاط: أجل أجل وأني أتمنى أن يستمر هذا الحظ الجيد حتى مجيء الشتاء.
أقطاي: لكن المؤنة من السمك المجفف والمقدد تكفي أهل المدينة لما بعد الشتاء.لا خوف علينا.
سفقاط: علمني البحر الحيطة والحذر . أنت لا تعلم ما الذي يختبئ ف أعماق البحر. والى أين تقرر الرياح ان تتجه. كل شيء بمشيئة الرب, كل شيء بمشيئة الرب.
( يقترب أحد الصيادين وفي يده حزمة من الأسماك المقددة)
الصياد: سفقاط , جماعةٌ من الصيادين يشتكون من نقص ٍ في المخزن البحري الشرقي.
سفقاط: أفلا يفترض أن يكون المخزن مليئا بالسمك؟
الصياد: أجل يا سفقاط ولكنهم يرون أن المخزون لا يكفي وينبغي زيادته و إمداده بالمزيد قبل حلول الشتاء.
سفقاط: لن يتم هذا. كل المخازن وزعت عليها المؤنة البحرية بالتساوي, ولن نحابي جماعة على أخرى. هكذا هو العدل أم ماذا ترى يا عزيزي أقطاي؟
اقطاي: فعلا هو هكذا. ما بالك يا فتى ؟ أفلا تعلم أن العدالة هي ديدن المدينة وأهلها؟ أتريد أن يختل نظام الخزانة في الميناء؟
الصياد(يقلب كفا على كف بشكل مضحك): وما شأني أنا فيما يقوله من أرسلوني؟ ها أنتما تضعانني في موضع لا أعرف كيف أتموضع فيه.
اقطاي(ضاحكا): ايها التعس كفاك تشدقا.
سفقاط: اذهب من فورك واشرف بنفسك على أن تتم الخزانة بالتساوي في جميع المخازن.
الصياد(يكلم نفسه): ومن أنا حتى اشرف أو أعطي الأوامر, لاشك أن بقية البحارة سيأكلونني حيا حينما اعود اليهم بهذا الخبر الفاجعة, ياويلتاه .
(ينصرف الصياد)
( تتقدم مقديسياا ابنة الخسوف منهما تحمل في يدها سلة كبيرة احتوت على بضع سمكات صغيرة . كانت باهرة الحسن لا مثيل لها بين أبناء الخسوف ببشرتها السوداء الصافية الداكنة وشعرها الاجعد وشفتيها الدقيقتين الكاملتا الاستدارة وطولها الفارع كالنخلة السمراء في بلاد حضرموت).
مقديشيا : مرحبا بأقطاي و سفقاط. أراكما منشغلين بالحديث. جل ما أخشاه أن يعكر مقدمي صفوكما.
سفقاط (فاغرا فاه من حسنها): أواه أيتها السيدة النبيلة. مقدمك كالريح العطرة تنشر شذاها الزكي فتطيب النفس له وترقص طربا.
اقطاي: أهلا بمقديشيا ومرحبا.
(تضحك مقديشا): ايها المعسول اللسان سفقاط. كفاك تغزلا .
سفقاط يتحرك بجسده الضخم يفسح المجال لها لتجلس:ما يخرج من داخل النفس لاقدرة لنا في إحكام وثاقه.كان الدم موثق ٌ حين يراك ِ.
اقطاي (مستغربا): من أين نزل عليك ملك الشعر فجأة يا كبير الصيادين؟
مقديشيا: من كونه بلا امرأة حتى الأن زير النساء هذا المعذب في الأرض والبحر.
سفقاط: اعذري جرأتي سيدتي الجميلة اذا قلت أنك ِ أقصى مارأت عيني من جمال.واكتفي بهذا حتى لاتظني مشاعري غلوا.
اقطاي: ويحك ياهذا, لم تمر سنة على رحيل زوجها الى أرض الفناء وأنت تكثر الغزل فيها؟
مقديشيا: دعه, لربما يشفي غله من فيظ مشاعره قليلا.
سفقاط (ينتصب قائما): الجمال ! ما هو الجمال. إن قلبي يسال وعقلي لا يكف إعصار جموحه عن التفكير.
اقطاي: ليس من أمره عجب.
سفقاط (كأنه يلقي قصيدة شعرية):
سفقاط: بل العجب كل العجب في جمال يسحر القلب والعقل معا.
اقطاي: وكيف هذا؟
سفقاط: جمال هذه السيدة يغتصب من الليل اسراره وسكونه ومن البحر ثورته ومفاتنه ومن الأرض عطاءه المتدفق.
مقديشيا: يا للهول! أهذه أنا؟
سفقاط هائما:ماخلق الجمال الا لينزل منزل الراحة في القلوب. ويزيل عن العين القذا والكروب.
اقطاي: ويلتاه. جموح ٌ شعري هذا لاشك فيه.
سفقاط:دعيني أشبهك بليل يحمل النجوم على أكتافه فيمضي بها. يسامرها وتسامره في غبطة.إذا اختفت من سماءه بكى وخف حمله فلا هوية له ولا وطن. إذا كثرت فيه ثقل حمله فأحس بأنه ينتمي الى هذه الحياة.
مقديشيا: وهل يجتمع الجمال مع الليل ليخفى ؟
سفقاط: وجد الجمال كالنور لينير دياجير الليل. فهو بمنزلة القلب لدى الإنسان يهديه إلى الرشد والى كل ما هو جيد الحظ من الطالع.
( يلوح بيديه في مشهد شعري درامي مبالغ فيه ):
سفقاط:الجمال حرفة يتفاوت فيها بني البشر وان الاله هو المبدع الأعظم فيها حيث لايوازي صنعته شيء ولا تشوبها شائبة النقص أو عدم الكمال.
مقديشيا: يقال أن جمال اللون الاسود لايدخل في ذائقة الكثيرين من بني البشر.
سفقاط: هؤلاء هم الذين عمت عيونهم وأفئدتهم عن رؤية ماوراء البعد. سمعت عن عالم ما ينادي بما يسمى الابعاد. لكل شيء بعد واطار مخفي لايراه الكثيرون. هكذا حال الجمال الاسود لايعرف سحره الا من يتأمل فيه ويقدر على استيضاح مكنوناته .
مقديشيا ( ضاحكة) : كفى كفى لا تجيد اذناي الاستماع الى كلام الفلاسفة هذا الذي تحاول أن تجعله في صورة غزلية,
اقطاي: انه لداهية والحق يقال. ولكن يا مقديشيا سمعنا ان الاله لطف عليك بمولود مؤخرا .
مقديشيا (وقد بدا الكدر على وجهها فجأة ): أجل, وما شأنه ؟
اقطاي(باستغراب): وفيم ضيقك هذا؟ سألنا عنه لا أكثر ولا أقل.
مقديشيا (بثورة): يا للاله , لقد ضاقت نفسي ذرعا بكثرة اسئلتكم ياقوم المدينة. كلن يسأل عن ولدي, عن اسمه وجنسه ولونه وشكله.أليس لديكم شيء أخر تشغلون به أنفسكم غيره ؟
سفقاط(مسحورا بجمالها): رفقا أيتها الجميلة , لاحرج من سؤال يقصد به المعرفة.
مقديشيا (بعناد وهي تهب واقفة): بل الحرج كل الحرج من سؤال يطرق أبواب الحياة الخاصة منا فيستبيحها دونما رحمة أو شفقة.
اقطاي: وهل سؤالنا عن ولدك هو أمر خاص ؟
مقديشيا(تستعد للمغادرة): عليك اللعنة.
سفقاط: مهلا مهلا الى أين تذهبين ؟
مقديشيا: ليست لدي رغبة للجلوس معكما بعد الأن , لقد عكرتما صفو سماءي بسحب اسئلتكم السخيفة تلك.
(هنا يسمع الثلاثة صوتا رخيما مهيبا يقترب منهم(
الصوت: ماهذا ؟ ما أسمع وما أرى ؟ انه العجائب تتلاعب بهذه المدينة.
(يلتفت الثلاثة الى مصدر الصوت فيبصرون نفس الاحدب الضخم يقترب منهم مخفيا وجهه بعباءة سوداء كبيرة)
مقديشيا: من أنت ايها الرجل وما مغزى كلامك هذا ؟
سفقاط:(بذهول): انه ضخم ٌ جدا,اضخم مني وهنالك شيئا ما يعلو ظهره.
اقطاي ( مرحبا): اهلا بك ايها الضيف, لاشك أنك غريب عن مدينتنا.
الرجل(يقترب منهم ثم يقف على مسافة مواربا وجهه بعباءته):الغريب من يرضى بأن يكون غريبا وسط قومه.
مقديشيا: ماذا ؟
الرجل: أجل , ربما يقال أنني غريب عن هنا ولكنني لست كذلك , أنا قريب قريب قريب أقرب مما تظنون.
سفقاط: لست أفهم شيئا من كلامك هذا
مقديشيا(ساخرة): ها قد جاءك من يفوق فلسفة في الكلام ياسفقاط .
اقطاي(بحذر): لماذا تداري وجهك بهذه العباءة الضخمة يارجل ؟
الرجل: لغرض ما في نفسي أكره أن أبيحه على العلن وان كنتم تصرون فسأخبركم.
مقديشيا(بفضول كبير): هات واخبرنا .
الرجل (يتجول على الخشبة بتؤدة): الحقيقة كالشمس ساطعة ساطعة لايقهرها ضوء الظلام وعناده الأرعن.وتلك ما أخفيها.
اقطاي: مازلنا لم نفهم شيئا .
سفقاط (في رنة يعلوها غضب خفي): كأنني قد بدأت أقترب الى روح هذا الرجل , مالذي ترميه بتلمحيك عن الشمس والظلام.
الرجل (يتمعن في سفقاط): لعمري انك نافذ البصيرة ياهذا وأتعجب كيف تتفق الضخامة مع البيصرة !.
سفقاط: هي اهانة ما اشتم رائحتها الان ؟
الرجل:لا تهتم , دعوني أخبركم قصة المدينة التي أتيت منها قبل ثلاثة ايام. مدينة السعادة الأبدية.
الثلاثة: مدينة السعادة الأبدية ؟ وماتلك؟
الرجل(متنقلا ببطء على الرمال): انها مدينة ليست ككل المدن, باركها الأله وجعل أهلها من أسعد الملخوقات على هذه الأرض.
سفقاط: زدنا معرفة, اثرت مكامن فضولنا.
الرجل: مدينة ليست ككل المدن. فيها صنفين من الناس , أبناء الشمس وابناء الخسوف .
مقديشيا: ومن هؤلاء؟
الرجل: هم بشر مثلي ومثلكم , ياكلون ويشربون ويشكرون الأله.لكنهم يعيشون حياة أخرى اسعد بكثير عن حياتكم التي تعيشونها.
اقطاي: وما بال الحياة في مدينتنا؟ كلنا هنا نعيش بسعادة وانسجام.
الرجل (هاتفا بحنق): أتسمي هذه سعادة؟ أقرب ما اعطيه لها من الصفات انها كرب وضيق وظلم.
سفقاط: ظلم ؟ اين الظلم ؟ نحن نعيش في وفاق ووئام والاله يحبنا والأرض تحبنا والبحر يحبنا فأي ظلم تتحدث عنه ؟
مقديشيا: هذا الرجل معتوه أو مدعي للفلسفة والحكمة بلا شك.
الرجل(يقهقه بصوت شيطاني)
مقديشيا: رحمتك ايها الرب, اي الضحكات الشيطانية هذه ؟
الرجل: بل الحكمة التي لاتعرفون لها طريقا. دعوني أكمل لكم قصة مدينة السعادة الأبدية.
سفقاط: هات واسمعنا.
الرجل: تلك المدينة يسودها نظام واحد تسري تشريعاته على فئة مخصوصة من الناس هي الفئة التي باركها الرب أكثر وجعلها في مصاف القوة والحكم.
اقطاي(مفكرا): نظام؟ اي نظام و اية فئة؟
الرجل: أبناء الشمس طبعا. اصحاب اللون الطاهر , الضوء الباهر الذين أخذوا من الشمس نقاءها وطيفها الساحر.
اقطاي(بفضول): اي لون ؟
الرجل ( كمن يلقي قنبلة): الأبيض طبعا .
سفقاط(كاتما الغيظ): وماذا عن باقي الفئات ؟
الرجل: ليست في مقام تعلو به على هذه الفئة. في مدينة السعادة الابدية وجدت فئة أبناء الشمس وهم السادة والملوك أصحاب العظمة والهيبة والقوة , كما وجدت فئة ابناء الخسوف.
مقديشيا(بتعجب): ابناء الخسوف ؟
الرجل(بغضب): أجل هؤلاء هم الذين غضب الاله منهم. يعيثون في الأرض والطرقات ظلاما .أقر الأله ان لاتكون لهم منزلة ولا عظمة ولا هيبة ولا قوة. انهم رمز الشر والمهانة .
سفقاط(يكاد ينفجر غضبا): وأي لون يمتلكون ؟
الرجل(كمن يلقي قنبلة ): الأسود طبعا.
سفقاط ( منفجرا): ماذا تقول ؟ ماهذه الترهات التي تتفوه بها ؟ أعطيت لسانك أكثر مما يستحق ياهذا .
اقطاي: صبرا صبرا يا سفقاط . دع الرجل يكمل قصته.
الرجل: تلك المدينة تعيش سعيدة رغيدة يحكمها أبناء الشمس بينما يقوم ابناء الخسوف بخدمتهم والسهر على راحتهم, لكم أن تعتبروهم عبيدا أو في مقام اللاشيء.
مقديشيا: هذا شأن تلك المدينة, مدينتنا لا تعرف التفرقة في الألوان. الشمس والقمر كلهم كلهم ابناء الاله.
الرجل: وهل تسمون هذه الحياة التي تعيشونها سعادة ؟ هل يوجد لديكم نظام مركزي تتطورون به؟
اقطاي(مفكرا): وما حاجتنا الى ما تسميه بالنظام مركزي ؟
الرجل: الكون يسير حسب نظام دقيق ومدروس.الحياة تسير بنظام ونسق عجيب. بدون هذا النظام المركزي لن تتستمر مدينتكم وسينتهي أثرها عما قريب وسيختل توازنها.
اقطاي: واين نجد هذا النظام المركزي ؟
الرجل: يقال انه مكتوب في كتاب قديم يسمى كتاب الوصايا. لايصله الا العظماء.
اقطاي(سارحا): العظماء ؟
مقديشيا: هذا الرجل يهذي بلا شك.
سفقاط (هاتفا بصوت هادر): ابتعد من هنا يارجل , فلست أستسيغ كلامك الشيطاني هذا أبدا.
الرجل(ينوي الانصراف): سأرحل , ولكن فكروا فيما قلت , ولم أقل ماقلته (ينحني ليرمق ج بنظرة ثاقبة) الا لمصلحة مدينتكم وشعبكم.
سفقاط: أغرب عن وجهي قبل أن أشبعك ضربا أو اغرقك في هذا البحر.
الرجل(ينصرف)
اقطاي(مايزال سارحا)
سفقاط: مابك يا اقطاي ؟ أتراك صدقت كلام هذا المدعي المخادع ؟
اقطاي(كمن يستيقظ من حلم): ماذا ؟ لا أبدا
مقديشيا: أنتم الرجل غريبوا الاطوار حقا, تتفنون في حياكة الالغاز والسخافات على حد سواء.لا عجب أنكم ونساء الأرض لاتجتمعون على عقل واحد. سأذهب الى بيتي.
(تغادر مقديشا ).
سفقاط: و سأذهب لأرى البحارة ,
( ينصرف سفقاط ويبقى اقطاي لوحده يفكر ويشرد )
أقطاي( يحدث نفسه ): ياترى هل ألمح الصدق في كلام هذا الرجل الغريب؟ ان كلامه منطقي ٌ ومعقول ويثير لجة أحلامي. من ذا الذي لايبتغي العظمة والقوة والحكم ؟ياترى كيف سيكون حال مدينتنا لو اصبحت مثل مدينة السعادة الابدية تلك؟ وماقصة كتاب الوصايا الذي لايصله الا العظماء؟
سأذهب الى قدار لأخبره بما سمعت.
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||| يسدل الستار |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق