2011/11/12

تابع مسرحية العبابيد: " المشهد الثاني- الثالث- الرابع)



||||||||||||||  يفتح الستار |||||||||||||||


*** موسيقى حزينة كئيبة ***
سحابة من الدخان تملأ المكان ثم تنقشع رويدا رويدا.
بقعة من الضوء تسلط على حرمان فقط بينما بقية الخشبة مظلمة.

(يدخل حرمان العبد مرتديا أسمالا قذرة ويمشي الهوينا على الخشبة, الحزن يملأ وجهه مقيدا لاسلاسل والأغلال.يتقدم إلى منتصف الخشبة.)

حرمان: نحن في هذه الحياة الملعونة نحتكم إلى أهواءنا. نتمرد على كل ما لا تصدقه عقولنا.من ذا الذي يريد العيش وحياته ليست له؟قمة الغباء أن نرى أنفسنا في غيرنا عندما لا يريد غيرنا أن يكون فينا.
( يتقدم أكثر باتجاه الجمهور رافعا يديه إلى الأعلى)
حرمان: أيتها السماء, أيتها الرياح و أنت أيها البحر من فيكم يحكم الحياة؟ من فيكم ينصب نفسه إلها على ما تحت حكمه وسيطرته؟أنتي أيتها السماء يا من أسفلك كل شيء هل تكبرتي يوما فأصبحتي الآلهة الذي يحكم بين كل ما تطوله يداك ِ؟
( يميل جانبا )
حرمان : لا.
** الموسيقى ما تزال مستمرة **
حرمان: أيتها الرياح العظيمة التي تسوقين المطر والغيم إلى كل مكان.هل تكبرت ِ يوما فأصبحت ِ الآلهة التي تحكم كل ما تطوله يداك ِ.
( يميل جانبا )
حرمان: لا.
حرمان: أيها البحر العظيم المترامي الأطراف يا من تحيا في بطنك الأسماك والأعشاب هل تكبرت ِ يوما فأصبحت ِ الآلهة التي تحكم كل ما فيك ؟
( يميل جانبا )
حرمان: لا.
حرمان: إذن لماذا تبتغي الشمس أن تطغى بأشعتها البيضاء على الكون حتى تحرق كل شيء؟ أليس لكل جبروة أفول؟ ولكل شيء ٍ أوانه؟ الشمس تشرق ثم تأوي إلى فراشها ليستيقظ القمر بضوئه الأسود ويظل ساهرا يرقب. كلاهما في رحلة خلود واحدة لا تتغير ولا تتبدل منذ قديم العهد. إذن لماذا يبغي أولادها السيادة في كل شيء؟ هل يحق لهم أن يكونوا كل شيء و أبناء القمر محرومون من حقوقهم؟
( يجثو على ركبتيه ويتكور حول نفسه كم يعاني ألما رهيبا )
حرمان: لماذا ؟ لماذا ؟
( موسيقى ملحمية تتصاعد بايقاع كريشندو رويدا رويدا )
( يقف بعد فترة قصيرة فجأة , ثم يسقط, يستلقي على الأرض قليلا يلهث بقوة, ثم يقف فجأة)
حرمان: هاهم يريدون أن يعرفوا بداية القصة أو بداية النهاية. سأحكيها, أجل سأحكيها لهم وليموتوا بغيظهم. فحين تبغي الرياح أن تثير البحر وتعلو به ليعانق السماء العظيمة لن يردعها أحد, لن يردعها أحد
( يكرر الجملة الأخيرة وهو في طريقه لمغادرة الخشبة )
** تخبو الموسيقى شيئا فشيئا **

|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||| يسدل الستار |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||


































المشهد الثالث






** موسيقى middle age  فيها ملامح من الفرح والغبطة **
أصوات وغوغاء ناس في وسط السوق

||||||||||| يفتح الستار ||||||||||||

( الجميع منشغلون في السوق. أختلط الحابل بالنابل والأبيض بالأسود والكل في هرج ٍ ومرج وأخذ وعطاء. على يمين الخشبة واحد ٌ من أبناء الشمس ألتم عليه ثلاثة من ابناء الخسوف يتبادلون معه البضائع. نظام المقايضة هو السائد هنا فلا بيع ولا شراء. أعطني ما عندك وأعطيك ما عندي.في الزاوية اليسرى صبي ٌ من أبناء الخسوف يعرض سلعته من الخضروات والفواكه والتف حوله مجموعة  مختلطة من أبناء الشمس والخسوف أيضا يساومونه بما لديهم من غذاء. بين جنبات المكان الزبائن تتجول بسعادة تبحث عن ما تحتاجه لقوت يومها أو مخزون شتاءها.الجو تملؤه الألفة والغبطة والمجادلة والاحترام والتعاطف هما سيدا التعامل. في منتصف الخشبة تجمع رجل ٌ من ابناء الشمس في منتصف العمر تبدو عليه علامات القوة والشكيمة وقوة الشخصية بجسده الضخم القوي وهذا هو قدار إلى جانبه رجل ٌ شديد السمنة أحمر الوجه منتفخ الجوانب يدعى برازاي وهو المسئول عن المئونة والغذاء في السوق. اندمج الأثنان في حديث ما).

(تدخل عجوز من ابناء الخسوف الى السوق بشعرها الذي بدا الشيب يغزوه بسرعه. تتوجه نحو قدار وبرازاي وتلقي عليهما التحية ).

قدار(ماطا شفتيه بسخرية): أهلا بجيكارا الداهية. مالذي جر قدميك الصغيرتين الى السوق اليوم ؟
(برازاي يوسع لها مكانا لتجلس فيه)
جيكارا  ضاحكة: ايها المتباهي بقوتك في زمن مشيبي, لا تظن أنك الوحيد القادر على التجوال هنا وهناك.
قدار: مازلتي سليطة اللسان داهية المقصد كعادتك دائما.
جيكارا  ( تلتفت حولها ترقب السوق): يبدو أن السوق في حركة نشطة.
برازاي موافقا: أجل فمدينتنا غندقار من اشهر المدن وانشطها في مجال التجارة والبضائع, لا ينفك ميناء المدينة من استقبال سفن المئونة والصيد كل يوم.
جيكارا: وما هو حال المئونة هذا العام يا برازاي؟
(برازاي يربت على كرشه الضخم علامة الثقة)
برازاي: الأمور كلها تسير في منحى جيد , افلا ترين هذه الكرش الضخمة؟ أنها علامة من علامات الرخاء والاستقرار.
( قدار وجيكارا يضحكان )
جيكارا: أسمعتم بنبأ المولود الجديد في بيت مقديشيا؟ يحكى أنه ذو هيئة غريبة لم يرى أحدٌ مثلها من قبل قط !
قدار باستغراب: وكيف هذا ؟
جيكارا: لونه يجمع بين لون الشمس ولون خسوف القمر .نصفه ابيض ٌ ونصفه الأخر أسود.
برازاي متعجبا: ماهذا العجب العجاب ! ما سبق وأن شهدت مثل هذه المعجزة تحصل.
قدار : لن اصدقك ايتها العجوز حتى تقع عيني عليه وأحكم بناظري على ما تراه عيناي هاتين.
جيكارا: نجوم السماء أقرب اليك من رؤيته. مقديشيا حرمت على أحد رؤية هذا الطفل حتى يشب عن الطوق ويبلغ أشده وحبسته في منزله.لقد قطعت عهدا على نفسها أن لا يراه أحد حتى يكبر قليلا. وذلك وفاء لزوجها الراحل المحارب العظيم جُزيد.
برازاي: العجب العجاب فعلا !  اذا لاحظ لك في رؤيته يا قدار.
قدار(يمط شفتيه بلا مبالاة): لا بأس في ذلك طالما أنها رغبة أمه المجنونة فيه. ولست أكترث بعد الأن.
برازاي: وهل وقعت عيناكي عليه يا جيكارا ؟
جيكارا بغرور: أجل, فأنا من قام بتوليد مقديشيا, ولكم أصابني بحر ٌ من العجب حين رأيت حالته تلك.
برازاي: قدار أنت ايضا رزقت بمولودة قبل يومين فقط .ان الناس تتحدث عن جمالها وبهاءها الوضاء.
قدار بتفاخر: أجل أجل, ابنتي العزيزة الوحيدة ولقد أسميتها شميليا .
جيكارا : لقد سمعت من الولادة أنها اشد بياضا من نور الشمس, يكاد نور وجهها يستبيح نور النهار فيقتله رغما عن أنفه.
قدار: ليس كمثلها مثيل  في غندقار ابدا. ستكون أميرة الأميرات.أميرة الشمس والضياء.
جيكارا(تضحك): أميرة الشمس ! ماهذا ؟ لقد بدأ عقلك الخرف يجول في مراعي خيالاتك الخصبة فلا يبقي منها شيئا.
قدار(بغضب): ايتها العجوز افلا يحق لي أن أتفاخر بابنتي شميليا ؟
برازاي(مهدئا): بل يحق لك أكثر من ماهو ذلك ياقدار. لعمري يحق لك حتى تأكل الشمس لونها لتستبدله بلون شميليا الغالية.
قدار: اجل أجل هو كذلك يا برازاي .
جيكارا: كلنا أبناء الأرض وان اختلفت ألواننا وأصواتنا .ليبارك الرب في غندقار وشعبها المسالم الطيب.
قدار: ومالأسم الذي أطلقته مقديشيا على أبنها العجيب هذا ؟
جيكارا: يبدو أنها لا ترغب حتى في تسميته حفاظا عليه. هي مجنونة فيه حتى الموت وتخشى عليه من العين الثاقبة والنظرة الصائبة التي تقتل الحوت في عرض البحر وتذيب الثلوج من على الصخر.
برازاي: ايعقل أن يظل بلا أسم ؟
جيكارا( تمط شفتيها بلا مبالاة): هذا شأنها وهي أدرى به.
برازاي: عجبا , لم أرى في حياتي عشق أم لابنها يصل إلى حد الخوف عليه من بقية الناس ولاتطلق عليه اسما يميزه عن غيره.
قدار(مفكرا): يبدو أن هذه الأم حكيمة فعلا. أتعلمون شيئا ؟ لقد أخذتني مكامن الغيرة في نفسي من فعلها هذا. ولسوف افعل ما فعلته في شأن طفلها هذا.
برازاي: ماذا !
قدار ( يهب واقفا): أجل , من الآن وصاعدا لن يرى أحد ٌ ابنتي شميليا سوى الخاصة والمقربون فقط, الى أن تكبر وتبلغ أشدها وأوج الشباب وفتنته.
جيكارا(باعتراض): هذا هو التمييز بعينه. ما بك يا رجل ؟ هل اصابتك لعنة مقديشيا أيضا؟ فان كانت تفعل ما تفعله فلقد حق لها بعد موت زوجها في عهد ٍ قطعته على نفسها دامت حية, ولكن أنت زوجك سليمة ٌ معافاة.
قدار: ابدآ , ليس تميزا بل حق ٌ من حقوقي لا يحق لأحد ٍ أن يأخذه مني . لن ترى أو تقابل شميليا أحدا بعد الآن. أمها وأباها فقط والخاصة الخاصة المقربون إليها.
جيكارا: عليك اللعنة أيها المغرور , بهذا أنت ترفعها إلى مقام الآلهة.
قدار : ليس هذا بشأنك يا امرأة.
جيكارا: ليس هذا من العرف والدين في شيء.
برازاي: فلنسال القديس عطقار فهو أعلم في حكم هذه القضية ممن سواه.
قدار: لست ابتغي حكما من قديس ما ليحكم في حق ٍ من حقوقي يا برازاي. وفر نصائحك لكرشك هذا فهو أحوج إلى نصيحة تحد من أطماعه الاستعمارية في التوسع.
جيكارا(تزم شفتيها بلا مبالاة): هذا شأنك يا قدار.
( فجأة يدخل إلى السوق رجل غريب أحدب مهيب الطلعة تسربل بعباءة سوداء طويلة . يخفي معالم وجهه بغطاء على رأسه بينما يبرز من فوقه قرنان عظيمان . اخذ مشي الهوينا في السوق دون أن يلتفت إلى أحد من الناس).
جيكارا( ترمق الغريب): من هذا الرجل الغريب الشكل !
(قدار و برازاي يرقبانه أيضا)
برازاي: ياللعجب أهذا انس ٌ أم وحش ٌ من الوحوش؟ ما هذه الحدبة التي تعلو ظهره؟ وذينك القرنين العظيمين !
قدار: تبدو عليه القوة والغموض, يا ترى من هو هذا الغريب الذي حل على مدينتنا فجأة ؟
جيكارا: ليس من عادتنا التدخل فيما لا يعنينا أيها الفضوليان. دعا الرجل في حال سبيله, ربما له حاجة ٌ يقضيها ثم ينصرف.دعونا نذهب الى عطقار ونسأله في حكم ما ينتوي قدار فعله في ابنته شميليا عله يعطينا من علمه الشيء المفيد.

( يغادر الثلاثة السوق بينما يتجول الرجل الغريب في السوق قليلا وأعين الناس ترقبه في وجل من هيئته المخيفة ثم يغادر بصمت . يعود الناس إلى أشغالهم ).




|||||||||||||||||||||||||||||||||||| يسدل الستار |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||


























 المشهد الرابع






||||||||||يفتح الستار||||||||||
(خشبة المسرح مغطاة برمال البحر عن أخرها )

مشهد في الميناء على البحر والبحارة يؤدون رقصة درامية ملحمية على إيقاع موسيقى ملحمية.الموسيقى والرقصة ترمز إلى شكر الرب على نعمة البحر وتبيان التكاتف في أوقات الأعاصير والرحلات البحرية. كل الرقصة تتم في إيقاع مدروس ومنظم يتعاون فيها الجميع.يتعاون أبناء الشمس و أبناء الخسوف في الصيد واستخراج خيرات البحر لا يفرقهم شيء.

( تنتهي الرقصة )..

يعود الراقصون إلى مزاولة أعمالهم الاعتيادية في الميناء.اقطاي مسؤول توزيع المياه في المدينة يجلس بهدوء يحادث واحدا من ابناء الخسوف يدعى سفقاط وهو زئيس الميناء البحري للمدينة , قوي الشكيمة مفتول العضلات بشكل لافت.

اقطاي : مازالت الرياح في جانبنا يا سفقاط. ان هذا لمن طالع الحظ الحسن لا شك.
سفقاط: أجل أجل وأني أتمنى أن يستمر هذا الحظ الجيد حتى مجيء الشتاء.
أقطاي: لكن المؤنة من السمك المجفف والمقدد تكفي أهل المدينة لما بعد الشتاء.لا خوف علينا.
سفقاط: علمني البحر الحيطة والحذر . أنت لا تعلم ما الذي يختبئ ف أعماق البحر. والى أين تقرر الرياح ان تتجه. كل شيء بمشيئة الرب, كل شيء بمشيئة الرب.
( يقترب أحد الصيادين وفي يده حزمة من الأسماك المقددة)
الصياد: سفقاط , جماعةٌ من الصيادين يشتكون من نقص ٍ في المخزن البحري الشرقي.
سفقاط: أفلا يفترض أن يكون المخزن مليئا بالسمك؟
الصياد: أجل يا سفقاط ولكنهم يرون أن المخزون لا يكفي وينبغي زيادته و إمداده بالمزيد قبل حلول الشتاء.
سفقاط: لن يتم هذا. كل المخازن وزعت عليها المؤنة البحرية بالتساوي, ولن نحابي جماعة على أخرى. هكذا هو العدل أم ماذا ترى يا عزيزي أقطاي؟
اقطاي: فعلا هو هكذا. ما بالك يا فتى ؟ أفلا تعلم أن العدالة هي ديدن المدينة وأهلها؟ أتريد أن يختل نظام الخزانة في الميناء؟
الصياد(يقلب كفا على كف بشكل مضحك): وما شأني أنا فيما يقوله من أرسلوني؟ ها أنتما تضعانني في موضع لا أعرف كيف أتموضع فيه.
اقطاي(ضاحكا): ايها التعس كفاك تشدقا.
سفقاط: اذهب من فورك واشرف بنفسك على أن تتم الخزانة بالتساوي في جميع المخازن.
الصياد(يكلم نفسه): ومن أنا حتى اشرف أو أعطي الأوامر, لاشك أن بقية البحارة سيأكلونني حيا حينما اعود اليهم بهذا الخبر الفاجعة, ياويلتاه .
(ينصرف الصياد)
( تتقدم مقديسياا ابنة الخسوف منهما تحمل في يدها سلة كبيرة احتوت على بضع سمكات صغيرة . كانت باهرة الحسن لا مثيل لها بين أبناء الخسوف ببشرتها السوداء الصافية الداكنة وشعرها الاجعد وشفتيها الدقيقتين الكاملتا الاستدارة وطولها الفارع كالنخلة السمراء في بلاد حضرموت).
مقديشيا : مرحبا بأقطاي و سفقاط. أراكما منشغلين بالحديث. جل ما أخشاه أن يعكر مقدمي صفوكما.
سفقاط (فاغرا فاه من حسنها): أواه أيتها السيدة النبيلة. مقدمك كالريح العطرة تنشر شذاها الزكي فتطيب النفس له وترقص طربا.
اقطاي: أهلا بمقديشيا ومرحبا.
(تضحك مقديشا): ايها المعسول اللسان سفقاط. كفاك تغزلا .
سفقاط يتحرك بجسده الضخم يفسح المجال لها لتجلس:ما يخرج من داخل النفس لاقدرة لنا في إحكام وثاقه.كان الدم موثق ٌ حين يراك ِ.
اقطاي (مستغربا): من أين نزل عليك ملك الشعر فجأة يا كبير الصيادين؟
مقديشيا: من كونه بلا امرأة حتى الأن زير النساء هذا المعذب في الأرض والبحر.
سفقاط: اعذري جرأتي سيدتي الجميلة اذا قلت أنك ِ أقصى مارأت عيني من جمال.واكتفي بهذا حتى لاتظني مشاعري غلوا.
اقطاي: ويحك ياهذا, لم تمر سنة على رحيل زوجها الى أرض الفناء وأنت تكثر الغزل فيها؟
مقديشيا: دعه, لربما يشفي غله من فيظ مشاعره قليلا.
سفقاط (ينتصب قائما): الجمال ! ما هو الجمال. إن قلبي يسال وعقلي لا يكف إعصار جموحه عن التفكير.
اقطاي: ليس من أمره عجب.
سفقاط (كأنه يلقي قصيدة شعرية):
سفقاط: بل العجب كل العجب في جمال يسحر القلب والعقل معا.
اقطاي: وكيف هذا؟
سفقاط: جمال هذه السيدة يغتصب من الليل اسراره وسكونه ومن البحر ثورته ومفاتنه ومن الأرض عطاءه المتدفق.
مقديشيا: يا للهول! أهذه أنا؟
سفقاط هائما:ماخلق الجمال  الا لينزل منزل الراحة في القلوب. ويزيل عن العين القذا والكروب.
اقطاي: ويلتاه. جموح ٌ شعري هذا لاشك فيه.
سفقاط:دعيني أشبهك بليل يحمل النجوم على أكتافه فيمضي بها. يسامرها وتسامره في غبطة.إذا اختفت من سماءه بكى وخف حمله فلا هوية له ولا وطن. إذا كثرت فيه ثقل حمله فأحس بأنه ينتمي الى هذه الحياة.
مقديشيا: وهل يجتمع الجمال مع الليل ليخفى ؟
سفقاط: وجد الجمال كالنور لينير دياجير الليل. فهو بمنزلة القلب لدى الإنسان   يهديه إلى الرشد والى كل ما هو جيد الحظ من الطالع.
( يلوح بيديه في مشهد شعري درامي مبالغ فيه ):
سفقاط:الجمال حرفة يتفاوت فيها بني البشر وان الاله هو المبدع الأعظم فيها حيث لايوازي صنعته شيء ولا تشوبها شائبة النقص أو عدم الكمال.
مقديشيا: يقال أن جمال اللون الاسود لايدخل في ذائقة الكثيرين من بني البشر.
سفقاط: هؤلاء هم الذين عمت عيونهم وأفئدتهم عن رؤية ماوراء البعد. سمعت عن عالم ما ينادي بما يسمى الابعاد. لكل شيء بعد واطار مخفي لايراه الكثيرون. هكذا حال الجمال الاسود لايعرف سحره الا من يتأمل فيه ويقدر على استيضاح مكنوناته .
مقديشيا ( ضاحكة) : كفى كفى  لا تجيد اذناي الاستماع الى كلام الفلاسفة هذا الذي تحاول أن تجعله في صورة غزلية,
اقطاي: انه لداهية والحق يقال. ولكن يا مقديشيا سمعنا ان الاله لطف عليك بمولود مؤخرا .
مقديشيا (وقد بدا الكدر على وجهها فجأة ): أجل, وما شأنه ؟
اقطاي(باستغراب): وفيم ضيقك هذا؟ سألنا عنه لا أكثر ولا أقل.
مقديشيا (بثورة): يا للاله , لقد ضاقت نفسي ذرعا بكثرة اسئلتكم ياقوم المدينة. كلن يسأل عن ولدي, عن اسمه وجنسه ولونه وشكله.أليس لديكم شيء أخر تشغلون به أنفسكم غيره ؟
سفقاط(مسحورا بجمالها): رفقا أيتها الجميلة , لاحرج من سؤال يقصد به المعرفة.
مقديشيا (بعناد وهي تهب واقفة): بل الحرج كل الحرج من سؤال يطرق أبواب الحياة الخاصة منا فيستبيحها دونما رحمة أو شفقة.
اقطاي: وهل سؤالنا عن ولدك هو أمر خاص ؟
مقديشيا(تستعد للمغادرة): عليك اللعنة.
سفقاط: مهلا مهلا الى أين تذهبين ؟
مقديشيا: ليست لدي رغبة للجلوس معكما بعد الأن , لقد عكرتما صفو سماءي بسحب اسئلتكم السخيفة تلك.
(هنا يسمع الثلاثة صوتا رخيما مهيبا يقترب منهم(
الصوت: ماهذا ؟ ما أسمع وما أرى ؟ انه العجائب تتلاعب بهذه المدينة.
(يلتفت الثلاثة الى مصدر الصوت فيبصرون نفس الاحدب الضخم يقترب منهم مخفيا وجهه بعباءة سوداء كبيرة)
مقديشيا: من أنت ايها الرجل وما مغزى كلامك هذا ؟
سفقاط:(بذهول): انه ضخم ٌ جدا,اضخم مني وهنالك شيئا ما يعلو ظهره.
اقطاي ( مرحبا): اهلا بك ايها الضيف, لاشك أنك غريب عن مدينتنا.
الرجل(يقترب منهم ثم يقف على مسافة مواربا وجهه بعباءته):الغريب من يرضى بأن يكون غريبا وسط قومه.
مقديشيا: ماذا ؟
الرجل: أجل , ربما يقال أنني غريب عن هنا ولكنني لست كذلك , أنا قريب قريب قريب أقرب مما تظنون.
سفقاط: لست أفهم شيئا من كلامك هذا
مقديشيا(ساخرة): ها قد جاءك من يفوق فلسفة في الكلام ياسفقاط .
اقطاي(بحذر): لماذا تداري وجهك بهذه العباءة الضخمة يارجل ؟
الرجل: لغرض ما في نفسي أكره أن أبيحه على العلن وان كنتم تصرون فسأخبركم.
مقديشيا(بفضول كبير): هات واخبرنا .
الرجل (يتجول على الخشبة بتؤدة): الحقيقة كالشمس ساطعة ساطعة لايقهرها ضوء الظلام وعناده الأرعن.وتلك ما أخفيها.
اقطاي: مازلنا لم نفهم شيئا .
سفقاط (في رنة يعلوها غضب خفي): كأنني قد بدأت أقترب الى روح هذا الرجل , مالذي ترميه بتلمحيك عن الشمس والظلام.
الرجل (يتمعن في سفقاط): لعمري انك نافذ البصيرة ياهذا وأتعجب كيف تتفق الضخامة مع البيصرة !.
سفقاط: هي اهانة ما اشتم رائحتها الان ؟
الرجل:لا تهتم , دعوني أخبركم قصة المدينة التي أتيت منها قبل ثلاثة ايام. مدينة السعادة الأبدية.
الثلاثة: مدينة السعادة الأبدية ؟ وماتلك؟
الرجل(متنقلا ببطء على الرمال): انها مدينة ليست ككل المدن, باركها الأله وجعل أهلها من أسعد الملخوقات على هذه الأرض.
سفقاط: زدنا معرفة, اثرت مكامن فضولنا.
الرجل: مدينة ليست ككل المدن. فيها صنفين من الناس , أبناء الشمس وابناء الخسوف .
مقديشيا: ومن هؤلاء؟
الرجل: هم بشر مثلي ومثلكم , ياكلون ويشربون ويشكرون الأله.لكنهم يعيشون حياة أخرى اسعد بكثير  عن حياتكم التي تعيشونها.
اقطاي: وما بال الحياة في مدينتنا؟ كلنا هنا نعيش بسعادة وانسجام.
الرجل (هاتفا بحنق): أتسمي هذه سعادة؟ أقرب ما اعطيه لها من الصفات انها كرب وضيق وظلم.
سفقاط: ظلم ؟ اين الظلم ؟ نحن نعيش في وفاق ووئام والاله يحبنا والأرض تحبنا والبحر يحبنا فأي ظلم تتحدث عنه ؟
مقديشيا: هذا الرجل معتوه أو مدعي للفلسفة والحكمة بلا شك.
الرجل(يقهقه بصوت شيطاني)
مقديشيا: رحمتك ايها الرب, اي الضحكات الشيطانية هذه ؟
الرجل: بل الحكمة التي لاتعرفون لها طريقا. دعوني أكمل لكم قصة مدينة السعادة الأبدية.
سفقاط: هات واسمعنا.
الرجل: تلك المدينة يسودها نظام واحد تسري تشريعاته على فئة مخصوصة من الناس هي الفئة التي باركها الرب أكثر وجعلها في مصاف القوة والحكم.
اقطاي(مفكرا): نظام؟ اي نظام و اية فئة؟
الرجل: أبناء الشمس طبعا. اصحاب اللون الطاهر , الضوء الباهر الذين أخذوا من الشمس نقاءها وطيفها الساحر.
اقطاي(بفضول): اي لون ؟
الرجل ( كمن يلقي قنبلة): الأبيض طبعا .
سفقاط(كاتما الغيظ): وماذا عن باقي الفئات ؟
الرجل: ليست في مقام تعلو به على هذه الفئة. في مدينة السعادة الابدية وجدت فئة أبناء الشمس وهم السادة والملوك أصحاب العظمة والهيبة والقوة , كما وجدت فئة ابناء الخسوف.
مقديشيا(بتعجب): ابناء الخسوف ؟
الرجل(بغضب): أجل هؤلاء هم الذين غضب الاله منهم. يعيثون في الأرض والطرقات ظلاما .أقر الأله ان لاتكون لهم منزلة ولا عظمة ولا هيبة ولا قوة. انهم رمز الشر والمهانة .
سفقاط(يكاد ينفجر غضبا): وأي لون يمتلكون ؟
الرجل(كمن يلقي قنبلة ): الأسود طبعا.
سفقاط ( منفجرا): ماذا تقول ؟ ماهذه الترهات التي تتفوه بها ؟ أعطيت لسانك أكثر مما يستحق ياهذا .
اقطاي: صبرا صبرا يا سفقاط . دع الرجل يكمل قصته.
الرجل: تلك المدينة تعيش سعيدة رغيدة يحكمها أبناء الشمس بينما يقوم ابناء الخسوف بخدمتهم والسهر على راحتهم, لكم أن تعتبروهم عبيدا أو في مقام اللاشيء.
مقديشيا: هذا  شأن تلك المدينة, مدينتنا لا تعرف التفرقة في الألوان. الشمس والقمر كلهم كلهم ابناء الاله.
الرجل: وهل تسمون هذه الحياة التي تعيشونها سعادة ؟ هل يوجد لديكم نظام مركزي تتطورون به؟
اقطاي(مفكرا): وما حاجتنا الى ما تسميه  بالنظام مركزي ؟
الرجل: الكون يسير حسب نظام دقيق ومدروس.الحياة تسير بنظام ونسق عجيب. بدون هذا النظام المركزي لن تتستمر مدينتكم وسينتهي أثرها عما قريب وسيختل توازنها.
اقطاي: واين نجد هذا النظام المركزي ؟
الرجل: يقال انه مكتوب في كتاب قديم يسمى كتاب الوصايا. لايصله الا العظماء.
اقطاي(سارحا): العظماء ؟
مقديشيا: هذا الرجل يهذي بلا شك.
سفقاط (هاتفا بصوت هادر): ابتعد من هنا يارجل , فلست أستسيغ كلامك الشيطاني هذا أبدا.
الرجل(ينوي الانصراف): سأرحل , ولكن فكروا فيما قلت , ولم أقل ماقلته (ينحني ليرمق ج بنظرة ثاقبة) الا لمصلحة مدينتكم وشعبكم.
سفقاط: أغرب عن وجهي قبل أن أشبعك ضربا أو اغرقك في هذا البحر.
الرجل(ينصرف)
اقطاي(مايزال سارحا)
سفقاط: مابك يا اقطاي ؟ أتراك صدقت كلام هذا المدعي المخادع ؟
اقطاي(كمن يستيقظ من حلم): ماذا ؟ لا أبدا
مقديشيا: أنتم الرجل غريبوا الاطوار حقا, تتفنون في حياكة الالغاز والسخافات على حد سواء.لا عجب أنكم ونساء الأرض لاتجتمعون على عقل واحد. سأذهب الى بيتي.
(تغادر مقديشا ).
سفقاط: و سأذهب لأرى البحارة ,
( ينصرف سفقاط ويبقى اقطاي لوحده يفكر ويشرد )
أقطاي( يحدث نفسه ): ياترى هل ألمح الصدق في كلام هذا الرجل الغريب؟ ان كلامه منطقي ٌ ومعقول ويثير لجة أحلامي. من ذا الذي لايبتغي العظمة والقوة والحكم ؟ياترى كيف سيكون حال مدينتنا لو اصبحت مثل مدينة السعادة الابدية تلك؟ وماقصة كتاب الوصايا الذي لايصله الا العظماء؟
سأذهب الى قدار لأخبره بما سمعت.

|||||||||||||||||||||||||||||||||||||| يسدل الستار |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||

مسرحية العبابيد: " المقدمة + المشهد الاول "


المشهد الاول

تلك الأجساد ذات الخسوف المظلم تُؤكل حية ً ولاحق لها في تقرير المصير, الآلهة فقط هم أؤلئك الذين نصبوا أنفسهم آلهة رغماً عن أنوفهم ورغماً عن أنوف غيرهم , الصراع الأبدي بين ما تنفق عقولهم من معتقدات وبين ما تفتحه أبواب الزمن من تغيير..من هنا كانت أنصاف الحكاية, أما البداية فلقد كانت في زمن ما, في مكان ما على هذه الأرض ..



الكاتب






 

 

 

|||||||||||||||||||||||||| يفتح الستار ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||


** موسيقى ملحمية تتعالى بإيقاع مخيف**

ينقشع الدخان الكثيف الذي كان يغطي الخشبة السمراء لتظهر حاشية الجبروت قدارالأربعة بملابسهم البيضاء كالشموس في ظلمة الليل وقد طالت شعورهم ولحاهم. يقفون في هيبة ووقار.قدار الجبروت الأعظم كان هناك في عرشه.المجلس المهيب ذو الإضاءة الخافتة التي تشبه لصا يخاف من الضوء ويشتهيه في نفس الوقت والستائر العملاقة بدا وكأنه قطعة من قصور سادة الأولمب . لوحة كئيبة لا تحرك قريحة أي شاعر حتما كأنها المقبرة تحوم حولها أشباح ٌ من ماض ٍ سحيق امتزج فيها اللون الأبيض والأسود في مشهد ٍ ساركاستي مبهم.


(يدخل اثنان من الجند يجران عبدا أخر من العبابيد بقسوة وعنف وهو صامت  مكبلٌ بالأغلال كأنما يساق إلى ارض الفناء بلا حيلة ولا قوة. )
** ينخفض صوت الموسيقى رويدا رويدا**
 (يرمي الجنديان العبد الغريب اللون إلى الأرض ويتراجعا بسرعة ليقفا في زاوية الخشبة.)
(الجبروت قدار متأملا ً باحتقار هذا العبد البائس )
قدار: هل أنت حقا ذلك العبد ابن العبدة الذي تجرأ  على جنودنا واشتم رائحة ابنتنا شميليا, سيدتك ؟
( العبد الشاب صامت يرقب الأرض ويئن)يتقدم أحد حاشية الجبروت قدار ولحيته الطويلة تنهل الأرض نهلا وعباءته البيضاء المزخرفة البالغة الطول تنهب الخشبة نهلا ليقف بالقرب من العبد مشيرا له بازدراء.
الجبروت الثاني عطقار(جبار الديانة) :سيدي الجبروت قدار, نعم هذا هو العبد ابن العبدة البائس المنكوب المصير قد تجرأ وهجم على جندك كما أكتشفنا انه قد تجرأ واشتم رائحة سيدتي شميليا ابنتكم من أمام باب القصر.سحقا له كيف يجروء على هذا؟ انه كائن ٌ ملعون ٌ قام بانتهاك الشرع والدين فحق عليه الموت أخذا بالأسباب والمسببات. ( يقوم بركل العبد في ظهره بقوة واحتقار).
( قدار يهز رأسه غيظا)
قدار: هل أمن هذا البائس الوضيع شر عقابنا لتتجرأ يده على ضرب جندنا و قدمه أن تقترب من قصرنا؟
عطقار:ربما كان حاله هو حال الغريق الذي تمسك بقشة أن كان فيها نجاته فقد نجا وان كان فيها هلاكه فقد هلك.
قدار: لا نجاة لمن يعتلي جناحه فوق سماء لا يعرف دروبها.
عطقار: يمهله القدر قليلا ثم يرمي به فيطحنه بين أسنانه ياسيدي الجبار الأعظم.
قدار: حال الدنيا هكذا وأنها لتقسو على من هم أمثال هذا العبد الوضيع.
عقطار: ان الإله قد ابتغى موته فليمت اليوم ويصبح هباءا منثورا.
قدار: لكم هو جميل ٌ شرع الاله. يخضع الطاغي المتمرد فلا مهرب له من القصاص والعقاب.

**موسيقى ملحمية خافتة أقرب إلى الأوبرا**
فجأة ومن مكان ما يسمع الجميع صرخات مجلجلة تهز المكان. إنها قديمة العهد والعبيد جيكارا تقتحم المكان تنوح نوح الثكلى.امرأة عجوز يتناقض شعرها الأبيض الشائب مع عتمة لون جسدها الأسود الذي غطته حرملةٌ سوداء من الثياب تكاد تخفي جسدها المعروق المتيبس.
جيكارا : اواااااااه أيها العبد الملعون. البائس الطاعون, اواااه يا ابن ماقديشا عبدة العبيد.ماذا فعلت ماذا فعلت؟
قدار(بغضب): صه ٍ أيتها العبدة الشمطاء, لماذا تولولين وكأنها تطبق على راسك السماء؟
(جيكارا ترتمي على جسد العبد الشاب وتبكي بحرقة وتشد شعرها الأبيض.)
قدار: من سمح لهذه العبدة الحقيرة بالدخول في مجلسنا ؟
الجبروت عطقار: انها جيكارا عبدة العبيد وسيدة القوم فيهم أنت تعرفها ياسيدي.
(قدار يقهقه ضاحكا )
قدار: فلتبكي السماء, ومنذ متى كان العبيد يرقون إلى مستوى أسياد قوم ٍ في قومهم؟ قولي لي أيتها الوضيعة ما علاقتك بهذا العبد الآثم لتقدمي دفاعا عنه؟
(جيكارا تنوح وتولول)
جيكارا: لا علاقة لي به إلا ما خلقنا عليه أيها الجبروت الأعظم, أتوسل إليك بأعراف حاشيتك وكرمك الذي يكاد يغير لون جلودنا أن تعفو وتصفح عن هذا العبد البائس, ليس أهلا لكي يلاقي كرم عقابكم يا سيدي اوااااااه أيها العبد الملعون البائس الطاعون.
( يتقدم الجنديان فيجران جيكارا من شعرها بقسوة ويكبلا حركتها بعنف)
يتقدم رجل ٌ أخر من حاشية الجبروت الأعظم.
الجبروت الثالث طاقر(جبار الهواء): أنتي تعلمين أنكم لستم في مقام ٍ يسمح لكم التنفس دون أذن ٍ منا فكيف يتجرأ هذا العبد ويشتم رائحة  سيدته ؟ يستحق العقوبة والإعدام بأبشع وسيلة.
جيكارا: اوااااااه.
طاقر: لن تفيدك حيلك الماكرة هذه المرة في إنقاذه من الموت.
جيكارا: اواااه يا سيدي طاقر جبار الهواء النقي والصفاء الأبدي أتوسل اليك أن تعطي هذا العبد الملعون من الهواء ما يبقيه ليعيش بقية حياته عبدا لديك ولدى سيدي الجبروت الأعظم قدار. اوااااه أيها المسكين ماذا فعلت؟
طاقر: طهر الهواء لايستحقه الا من خلا عقله وقلبه من العصيان. أترين هذه المخلوقات خارجا ؟ انها تعيش لأنها مسيرة لا تعصي أقدارها.
جيكارا: وهل لهذا البائس أن يفعل شيئا مما قلت يا سيدي؟ اتوسل اليك.
طاقر: فلتذهبي معه الى الجحيم. لن تنطلي علي ألاعيبك هذه في كل مرة يقع فيها هذا الوضيع في خطب ما.
( قدار ينظر بكراهية وغل نحو العبد الشاب)
الجبروت قدار: أيها الذليل الحقير هل أكلت السماء لسانك أم هو ذنبك الدنيوي اللعين الذي ألجم لسانك الأسود؟تكلم قل شيئا. ما اسمك ؟
( العبد الشاب يرفع رأسه قليلا دون أن يتحرك من مكانه)
العبد بصوت ٍ خافت : أسمي  حرمان بن جُذيد  يا سيدي.
قدار:ابن جذيد ٌ؟ أحقا ؟ ليكن,  أيها العبد ابن العبدة حرمان, كيف جرؤت وسمحت لأنفك الوضيع هذا بأن يشتم رائحة ابنتنا؟ وما هذه الجرأة الحمقاء التي دفعتك لمهاجمة جندنا؟أفلا تعلم العقوبة التي ينصص عليها كتاب الوصايا لمن هم يرتكبون مثل فعلتك الشنيعة؟
العبد: ما علمتمونا لكي نعلم أيها الجبار الأعظم و أنما علمتمونا لكي نخشاكم .
( طاقر يركل العبد بقوة )
طاقر: خسئت لا تتفاصح أمام سيدك الأعظم وأجب على السؤال فقط.
(جيكارا تفلت من قبضة الجند لتقطع الخشبة طولا وترتمي أسفل قدمي قدار)
جيكارا: أتوسل إليك وألثم قدميك يا جبار الجبابرة أن تعفو وتصفح عنه
( قدار يرفس العجوز بقدمه فتسقط أرضا)
قدار: أيتها الشمطاء كيف تجرئين لتقتربي مني هكذا؟ سحقا لرائحتك النتنة.
( الحرس يتقدمون من جيكارا ويوسعونها ضربا ثم يرمونها الى جانب حرمان)
(جيكارا تبكي وتنوح وتولول وتحتضن العبد حرمان.)
(حرمان يهتف بقوة فجأة)
حرمان: كفى أيتها العجوز اللعينة, ان كان ابن الشمس هذا يبتغي رقبتي فليكن له ما أراد. كفى إذلالا لقومك بهذا النواح المذؤوب.
( جيكارا تلطم  حرمان بكامل قوتها ثم تخور قواها وتفقد الوعي)
(حرمان يبكي بصمت ثم يهب واقفا يهتف)
حرمان: عليك لعنة لا يغلبها إلا كثرة ظلمك أيها الجبار الأعظم.
(الجند يندفعون ليشبعوا حرمان ركلا وضربا فيأمرهم قدار بالتوقف.)
قدار : أيها العبد لاشك أنك حرمان العبد المتمرد على سيادتنا, الضائع بين لون الشمس ولون الخسوف .تذكرت أمرك عند سماع اسمك. لقد بلغني عنك الشيء القليل من الأخبار.أمك مقديشيا تلك التي استنكفت عن طاعتنا  .
حرمان ( بنظرات حقد عظيم): عاشت ودماءها تسري بدم الشرف وماتت هكذا.
** موسيقى تتصاعد بإيقاع كريشندو **
قدار: وهل لك أو لها حق الاختيار؟ كل شيء في هذه الأرض يمضي بمشيئتنا. نحن البحر والريح والأعاصير والأمطار وانتم السفن البيادق نحركها كيفما نشاء.هل رأيت قاربا متهالكا يعصي جبروت الإعصار فيبحر عكس وجهته؟
حرمان: أنتم من نصبتم أسماءكم فوق رغباتكم وأطماعكم فأصبحتم الريح عندما لم تجدوا الجبال التي تصد أعاصيركم و أصبحتم الأمطار عندما لم تجدوا السقوف الصلبة لتردعكم .
قدار: فلتأكلك نيران حارس الوصايا أيها الرعديد المتمرد على لون جلدته.
حرمان: لست هنا اليوم لأموت بنار حارسك الزائف الذي زال ذكره بزوال فعلته تلك وكتابه المزيف.أنما أتيت أطالب بحق لي.
( أفراد الحاشية يضحكون بشدة)
الجبروت الثاني أقطاي (جبار الماء):حق؟ ومنذ متى كان ابناء الخسوف يطالبون بالحقوق من أسيادهم ؟
حرمان: حقي الذي أبتغيه لا تحتكم له شريعة الغاب التي تحتكمون إليها أيها الجبروت أقطاي.الحق كلمة تعود إلى ملكية الإنسان منا فهي شيء ٌ يخصه وعلى من أخذه عنوة أن يعيدها له.
(أقطاي يبصق جانبا بازدراء)
اقطاي: ومن قال أنك وصلت إلى منزلة الإنسان يا وضيع اللون والجنس؟
حرمان: ارقب نفسك يا جبار الماء واقتبس من كل قرينة فيه ما تقارن به بيني وبينك فماذا ستجد؟ ألست تملك اليد التي أملك والقدم التي أملك والرأس الذي أملك و الأذن والعين والأنف الذي أملك؟ فلماذا تعتبرون أنتم أولاد الشمس أنكم البشر الوحيدون لمجرد أنكم أخذتم جلودكم من الشمس بينما أخذناها نحن من خسوف القمر؟
قدار: كفى وألزم مكانتك أيها الوضيع ابن العبدة. ما كانت أمك سليطة اللسان هكذا أني أتعجب من أين أتتك هذه الجرأة التي لا تليق بعبد مثلك أبدا؟
حرمان يحاول تمالك جسده المثخن بالجراح.
حرمان:من هذه الجراح الحمر التي تسيل على جسدي الممزق.هل رأيت الدم يعبر حدود الليل فلا يسأل لماذا يعبر وما نهاية عبوره؟
قدار: كفاك فلسفة لا تعي منها شيئا.
حرمان: فهل تعي أنت ؟
(الجند يوسعون حرمان ضربا مرة أخرى فيأمرهم قدار بالتوقف)
أقطاي: عجيب هذا التمرد الشيطاني الباديء في عينيك.
حرمان بوهن: هذا مايبقي أمثالي احياء في وجه الغاشم.
اقطاي: ان هي الا فسحة من الزمن قصيرة ولن تعرف للحياة معنى.
حرمان: فل أمت على ما أنا عليه اذا.
اقطاي: لا يحق  لك هذا.
( حرمان يضحك بوهن وسخرية)
حرمان: أي اقطاي , لم نعد نحفظ شيئا من قائمة الحقوق لكثر ما نسمع منها منكم.
اقطاي: لا حق لاعتراضك.
حرمان: لم أكن أعترض.
اقطاي: ولايحق لك أن لا تعترض أيضا.
حرمان: فأخبرني ماذا يحق لي ؟
اقطاي: أن تبقي فمك مقفلا.
قدار: أجمع أسمالك البالية هذه وأخبرني ما قصتك؟ ومن أين لك هذا اللون العجيب الذي يجمع بين نقاء الشمس وظلمة الخسوف؟ هي أمك التي قد أعطتك هذا اللون الذي أوقع جبابرة غندقار في حيرة من أمرهم. أحكي لي ما الذي دفع غريزتك المجنونة إلى مجرد التفكير في سيدتك شميليا وما سر أخبار التمرد التي ووصلتي مؤخرا؟ سيطيب لنا أن نستمع إليك قبل أن نرسلك الى أرض الفناء .
(حرمان يقف بصعوبة)
حرمان: سأحكي لك قصتي أيها الجبروت الأعظم ليس خوفا من الموت, و أنما ليعرف هؤلاء العبيد بني قومي كيف أن واحدا منهم تجرأ يوما ووقف أمام الجبروت الأعظم قدار وحاشيته الجبابرة دون وجل ٍ أو خوف.وان كنت ملاقي حتفي لا محالة فان لي رغبة أخيرة أتمنى أن تنال أيها الجبروت الأعظم شرف تحقيقها.
قدار: سحقا لغرورك  الملعون هذا.ما هي رغبتك أيها الوضيع؟
حرمان: أطلب أن تحضر ابنتكم السيدة شميليا أميرة الشمس إلى هنا لأخبرها شيئا ما يهمها كثيرا.
قدار بغضب هادر: عليك اللعنة أيها الوقح الملعون.أخبروني أيها الجبابرة هل سمعتم عن جيفة لحم أسود تبحث عن مثواها الأخير فتتمنى أن تبصر الضوء ولو قليلا؟
الجبابرة بصوت واحد : ما رأينا قط .
حرمان: بل هي الفراشة التي تتبع الضوء الحارق لتحترق فيه ولكم يطيب لها أن تحترق في دفئه .
قدار: فلتطبق السماء على رأسك وتجتث الرياح لسانك الوقح هذا. فلينزع حارس الوصايا مايتبقى من اشلائك فان هذا يشفي غليلي ويريح ثوران دمي.
حرمان: لن يضر الجسد الميت شيئا بعد فنائه.فافعل ماشئت.
قدار: عليك اللعنة , عليك اللعنة.
(الجبروت عطقار يتقدم ليهمس شيئا ما في آذن الجبروت الأعظم – يتناقشان فيما بينهما بصوت خافت)
قدار وقد زال غضبه : ليكن أيها العبد الملعون لطالما أن هذا هو مطلبك الأخير ولكونك أبن محارب خدم هذه المدينة فيما خلا من الزمن. ستحضر ابنتنا لتشهد نهايتك اللعينة. لكم سيطيب لها أن ترقب نهايتك.أيها الحراس, هلموا وأتونا بابنتنا الغالية ليزداد بهاء هذا المكان ويزل سحابة الظلمات التي تخيم على المجلس.وأنت ايها العبد الوضيع أحكي لنا قصتك الى أن تأتي سيدتك.
ينصرف الحراس لتنفيذ الأوامر
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||| يسدل الستــــــــار ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||

المسرحية العربية الثورية " العبابيد" قريبا على مدونة C7



 قريبا على مدونة c7 .... المسرحية التي قمت بالانتهاء منها قبل عدة اشهر .." العبابيد"..المسرحية التي تناقش قضايا ثورية في المجتمع العربي.... ساقوم بانزالها دفعة واحدة هنا في المدونة ولكم أن تقرأوها على مهلكم...

الاعلام العماني (المرئي) بين التوسع والتقوقع


الإعلام العماني(المرئي) بين التوسع والتقوقع
بقلم: كيرلس 7

" هل أعطى الإعلام العماني الشاعر العماني حقه ؟".سؤال ٌ واحد قفز على إحدى شاشات القنوات التلفزيونية الخليجية أثار أطنانا من التساؤل في أعماقي كما قفز غيره من الأسئلة على نفس الشاكلة في قنوات إعلامية أخرى متعددة سمعية كانت مرئية أم مقروءة.وقتها قام مقدم البرنامج بطرح هذا السؤال على أحد الشعراء الشباب الذي أخذ نجمهم يبزغ رويدا مؤخرا فوجدت علامات عدم الارتياح وربما الخوف أو التردد تعلو ملامح شاعرنا كأنه يوشك أن يحلل وينقد أحدى المعلقات السبع أو يشرح النظرية النسبية لأينشتاين بحذافيرها.لست ألوم الشاعر في تلعثمه الذي ظهر واضحا عليه أو الموقف الذي وضع فيه فلقد كان موقفا لا يحسد عليه صارع فيه (بلا شك) الوطنية والشعور بالعرفان ضد سرد ما نسميه بالواقع الإعلامي في بلدننا الحبيب.لماذا يشعر الأديب أو الكاتب أو المفكر أو الشاعر العماني بأنه ضمن معادلة صعبة أو أنه يقلب بين راحتيه عملة ذات وجهين حينما يطلب منه أن يربط بين مسيرته وبين ما قدم له الأعلام لها ؟دفعني الفضول ولا أنكر (الوطنية) أن ابحث أكثر عن هذه القضية.أبحرت كثيرا عبر صفحات الشبكة العنكبوتية في مختلف المواقع والمنتديات العمانية علني أجد هنا أو هناك إجابة شافية لسؤالي الوحيد الذي ما كنت لبرهة ٍ واحدة أتخيل أن يخرج الكثير من التداعيات والآراء من مقابر العقول.
كثيرون هم, كثيرون جدا من ينتقدون ويعارضون ويؤيدون وربما يتمسكون أشد التمسك بفكرة " التوسع والتقوقع ".أحدهم ينادي بتطوير الإعلام لأنه أصبح (دقة قديمة) أو أكل الدهر عليه وشرب حسب رائيه , وأخر  يجر صوته (إن كانت الأصوات تسمع في المنتديات) هاتفا بخصخصة الإعلام العماني وأخر يحاول أن يدافع عبر سرد ٍ طويل لمنجزات وتـاريخ الإعلام العماني طوال العقود الثلاثة الماضية وأخرى تضع الإعلام العماني بأ كلمه في سلة واحد لتقارنه بغيره من وسائط الإعلام المرئي في دول الخليج أو الدول العربية و أخرى تضع قائمة بالاعلامين العمانيين الذين برزوا على الساحة الإعلامية المرئية ثم هاجرت إبداعاتهم لتحتضنها وسائط إعلام أخرى غير عمانية( ولندع الأسماء جانبا ) .في الحقيقة شعرت أنني في خضم معمعة بلا سيف (و لك أن تتخيل أبو زيد يغزو بلا سيف حتى تقترب الصورة أكثر ) فالكل كان ينقد ويناقش و يهاجم سواء كانت لديه خلفية ما عن الموضوع أم ساوت خلفيته تلك عشرة أصفار على الشمال تماما.البعض حاول أن يستقر في قارة الحياد حتى ولو كان في قرارة نفسه غير مقتنع ٍ بما يقول .وما شدني أكثر هو البحث عن الحلول الشابة الخلاقة ضمن هذه المعمعة لهذه القضية ولا أنكر أن البعض كان متشائما ويائسا لدرجة القنوط وهو يضع حلولا لاتسمن ولا تغني من جوع بينما كان القسم الأخر حالماً لدرجة خيالية ذكرتني بالمذهب السريالي وهو يبدي حلولا يصعب جدا أن تنفذ في ليلة وضحاها واكتفى البعض "الدنيا لسه بخير" منتظرا الأفضل.هل مسألة تطور الإعلام العماني هي مسألة مادية, مسألة محافظة ونهج معين تنتهجه الجهات المعنية به, مسألة حماسة شباب وجنوح نحو الإبداع والتألق أم مسالة مبعثرة مشتتة تحكمها ظروف أخرى مجهولة؟ هذه الأسئلة التي انبثقت في عقلي بعد تصفحي المتعطش لتلك المنتديات.

بعدها وقفت مع نفسي وقفة عتب أقلب القضية في عقلي  وسألت نفسي سؤالا واحد صريحا " يا ترى ما هي نسبة مشاهدتي للمادة الإعلامية التي تقدمها القنوات العمانية الثلاث؟" لا أدري, شعرت بالخجل من نفسي لأنني أدركت أنها لن تتجاوز العشرة بالمائة.هل هذا يعني أننا نحن السبب وراء القضية؟ ولكن مربط الفرس ليس هنا حتما.مربط الفرس يكمن في ماهية ومدى تأثير وتفضيلي أنا (كمواطن عماني) لما يقدم عبر شاشة بلادي.هل تلك المادة في توسع ٍ معين يجعلني أنجذب إليها فعلا أم أن تلك المادة ما زالت تحت طور الشرنقة أو تقوقعت متعمدة على نفسها لتحمي نفسها من منعطفات خارجية وربما داخلية مختلفة؟ لست أدري, وما زال البحث مستمرا.
� � 

فكرنا الأدبي بين التطبيع والترقيع


فكرنا الأدبي بين التطبيع والترقيع
بقلم: كيرلس 7
======================
إن المتأمل في مسيرة الفكر  الأدبي الشبابي في وطننا العربي ليجد الكثير من دواعي الأمل والسرور والفخر لما يرى من النتاج  الفكري الأدبي الذي أنتقل من مرحلة التقطع في الإنتاج والاطلاع إلى مرحلة الزخم والنوع الكمي فيهما . أصبحنا نسمع عن الكثير من المبدعين الشباب في مختلف مجالات الأدب المختلفة من الشعر بأنواعه والخاطرة والقصة القصيرة وحتى القصة القصيرة جدا ذلك النوع الأدبي الذي لم يألفه شبابنا العربي من قبل فأصبح ينتج فيه كبقية الشعوب التي تقدمتنا في هذا النوع الأدبي.ولكن ومع كل هذه الانجازات هنا وهناك ينبثق نوع ٌ من النقد , الترقب والاطلاع المدقق في مسيرة هذا الزخم الأدبي . هنالك عمليتين متجاورتين متلازمتين ألحظهما بين الفينة والأخرى في بعض الأعمال الأدبية, الأولى تأتي أو تظهر ضمن مرحلة النقد أو التحليل الأدبي لهذه الأعمال بينما الثانية تظهر في مرحلة الإنتاج الأدبي نفسه أو ما بعده حتى.

السؤال الذي يطرح نفسه غالبا في مرحلة النقد والحكم على الفكر الأدبي الشبابي العربي هو " من أين لك هذا ". المصدر من أهم المثريات التي يثري بها أي كاتب ٍ ثقافته وفكره ومن ثم أنتاجه وهذا الشيء لا يختلف عليه اثنان أبدا.أصبح شبابنا وفي الآونة الأخيرة يبحث عن مصادر أجنبية مختلفة أخص بالذكر منها الأعمال الأدبية المترجمة إلى اللغة العربية أو الإنجليزية إذا كانت منقولة من لغات أو ثقافات أخرى كالفرنسية أو الروسية. وكأنما الوعاء الأدبي العربي أصبح فارغا مما يمكن أن يستمد منه الأديب العربي الشاب مصدرا لعمله الأدبي.أين ذهبت كل المصادر العربية القديمة والحديثة – بدايات القرن العشرين- حتى يغفل عنها أو يتجاهلها الكاتب اليوم بداعي الحداثة وحب التغيير والرقي بأسلوب جديد ومختلف؟ ألم تعد أمهات الكتب العربية الأدبية مرتعا خصبا لاحتواء انطلاقة أدبية جديدة لهؤلاء الشباب؟ ولست أقصد هنا المزاوجة بين الأصالة والحداثة في منظومة الأدبي العربي و أنما نقطة انطلاق يستند عليها الكاتب في بدايته الأدبية حتى يعرف فيما بعد أن هذا الكاتب ذو هوية عربية, ذو جذور أدبية عربية واضحة وان اختلف أسلوبه.الهوية هي ما فقده شبابنا في عملية التطبيع هذه .أصبح كتابنا الشباب يغلفون نتاجهم الأدبي بطابع وان بدا رائعا جماليا مزخرفا قويا فهو هش ٌ قابل للكسر من الداخل ’ عرضة لنقد من هب ودب إلى درجة لا يستطيع فيها الكاتب نفسه أن يرد على ناقديه لأن " فاقد الشيء لا يعطي " أبدا.و من هنا أنطلق للحديث عن العملية الثانية وهي نتيجة حتمية للعملية الأولى " التطبيع ".

بعد أن يقع الكاتب الشاب في الفخ الأدبي لنفسه ويكتشف أن نتاجه الأدبي مغلف ٌ بطابع ٍ ليس من جلدته, يندفع تلقائيا إلى الاحتواء أو لنقل"الترقيع " فيلجأ في هذه العملية الى طريق العودة للمصادر العربية(متأخرا) في وقت قد وقع فيه هو فخه الأدبي, ذلك الفخ الذي تشعر فيه أنك ذو أسلوب ٍ أدبي معين لست واثقا منه فتلجأ إلى أسلوب ٍ أخر قد يكون قديما لأحد فطاحلة الأدب العربي فلا تستطيع المزاوجة أو الدمج بينهما بالتالي يصبح نتاجك الأدبي خبط عشواء , جهول الهوية والمعالم والاختصاص.يصعب على أي ٍ منا أن يرقع أناءا ً أحاطت به مئات الثقوب وأصبح عرضة أن يكون فارغا في أي لحظة , وهذا هو حال مثل هؤلاء الكتاب الذين لم يعودوا يعرفون حتى كيفية ترقيع نتاجهم الأدبي فانتقلوا إلى خانة المشابهة والاقتباس أو التقليد التي نلاحظها كثيرا منذ زمن بحيث يقال أن فلانا يقلد الشاعر الفلاني أو القاص الفلاني.هذا التقليد نفسه ما هو إلا نتيجة واضحة متدرجة لعمليتي التطبيع والترقيع هذه. وفي أخر المطاف , نصيحة أوجهها إلى أي كاتب ٍ عربي مبتدي ء " كن حذرا جدا ف بداية مسيرتك الأدبية لأنها ستحدد معالم هويتك ونتاجك الأدبي مستقبلا ".